محاولة استقراء لظاهرة الهبد في أوساط الطلبة

يعد الهبد من احدى السمات الأساسية لدى الطلبة الجامعيين بشكل عام وهي تشكل مهارة أساسية في الامتحانات فعندما يجهل الطالب جواب السؤال فإنه قد يلجأ للهبد في سبيل عدم ترك خانة الجواب فارغةً. ولكن المسألة الى هذا الحد قد تكون مقبولة ولا يمكنني صراحة الاعتراض عليها. ولكن تكمن المشكلة عندما يصير الهبد أسلوب حياة نتعامل بها مع جميع المواقف التي ترد الينا يوميًا. كما ان المشكلة أيضًا اننا عندما نقوم بالهبد في المواقف التي ترد علينا. نحن لا نلاحظ اننا نهبد ونتعامل مع ان معرفتها بطبيعة هذه المواقف هي معرفية قطعية لا تحتمل المراجعة او النقد!

فمثلًا من النادر جدا أن تسأل شخصًا عن أي شيء ويقول لك ببساطة : انا لا أعلم. فلابد ان يبدأ في افاضتك بوابل علمه اللامحدود. والمشكلة انه في حالة اعتراضك على مصداقية حديثه(هبده) تجده يتعامل مع المسألة على انها حياة أو موت. وأن طعنك في حديثه هو طعن في شخصه. والمشكلة أيضًا انك قد تجده يتحدث بثقة لا تنم إلا عن شخص قد افنى عمره كاملًا في دراسة ما سألته عنه. وفي واقع الأمر هو لم يقرأ سوى سطرين او شاهد مقطع فيديو مدته خمس دقائق وظن على أصر ذلك انه قد أحاط بمجامع العلم.

وهذا مثال بسيط قد نجده يتحقق بصور مختلفة ومشكلة الناس هذه الأيام لا تتمثل في جهلهم. فكلنا جهال بشكل أو بآخر ومهما ارتقى الشخص في العلم سيظل جاهلًا. ولكن مشكلتهم في أنهم يجهلون بجهلهم! يعني هم لا يدركون انهم في افتقار لقدر معين من المعلومات حتى يتمكنوا من اصدار أي حكم بحد أدى من الثقة. ولكن السؤال لماذا قد يلجأ الناس لانتهاج مثل هذا السلوك؟ والجواب والله اعلم يتمثل في عدة جوانب.

الأول : ان المرء بات يتعرض يوميًا لقدر كبير جدًا من المعلومات فأصبح من العسير عليه ان يقوم بمراجعة ونقد هذه المعلومات فأصبح يسلم بها جزافًا.

الثاني : هو انتشار ثقافة ( التيكاوي) في التعامل مع المعلومات. او في التعامل مع المعرفة بشكل عام. فكثير من الناس الذين يمضون وقتهم في مشاهدة المسلسلات والأفلام يجدون صعوبة بالغة في بذل نفس المجهود في العلم. أي انهم أصبحوا قليلي الصبر تجاه طلب العلم. فهم اعتادوا على قدر معين من الإثارة والمتعة اثناء قيامهم بأي من النشاطات التي يحبون القيام بها. وبطبيعة الحال طلب العلم ليست من المسائل التي تستسيغها النفوس وللأسف لا تحتوي على أي قدر من المتعة او الإثارة التي توفرها المسلسلات والأفلام. وقلة الصبر هذه جعلتهم يقنعون بقشور القشور من المعرفة. فحتى لو طلبت منهم بأن يقوم بالتثبت من صحة معلوماتهم تجدهم يتحاشون ذلك قدر الإمكان. وينتظرون منك أن تقدم لهم إجابات تساؤلاتهم بشكل ( تيكاوي) وهذا صعب جدا في العلم. لأن العديد من الأسئلة او لنقل معظم الٍأجوبة تحتاج الى قدر معين من المعرفة المسبقة عن هذا الموضوع حتى يتمكن الطرف الآخر من أن يستوعب الأجوبة على النحو المطلوب. فمثلُا اثناء مناقشتي مع احد زملائي في مسألة تتعلق بعلم النفس وجدت انهم يتعاملون بشكل مستهتر جدًا بما يتعلق بطبيعة المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع. ووجدت صعوبة بالغة في إيضاح العديد من النقط التي ترتبط بشكل جذري بالعديد من المسلمات والعديد من المفاهيم الأساسية المتعلقة  بالعلم والتي في العادة لا يتم التطرق اليها لأنها أصبحت من البديهيات.

الثالث: المشكلة الثالثة تتمثل في مصادر المعلومات التي يستقي الناس منها معارفهم ليست الظنية فقط بل والقطعية أيضًا. فنجد اننا كثيرًا ما نعول المعرفة على الحكم الشعبة ونتعامل مع هذه الحكم على انها من المسلمات والبديهيات الكونية دون أي محاولة لإعادة النظر فيها او حتى نقدها. فمَثلًا من الأمور التي وجدتها شائعة جدا في أوساط الشباب هو حديث : لا تتمارضوا فتمرضوا. رغم ان ، وهذا ما اكتشفته الآن، هو ان هذا الحديث ضعيف ( بناء على ما قرأته من موقع اسلام ويب) ولو حتى افترضنا صحة هذا الحديث فنحن نتناسى تمامً الحديث الآخر الذي أمرنا فيه بالتداوي. ولم أجد انه قد خص نوعًا معينًا من الأمراض التي يجب علينا يجب علينا ان نتداوى منها مقارنة بغيرها. فلم يخص الحديث بأمراض الجسد مثلُا. فقد تحتاج القلوب والنفوس الى التداوي. فمشكلة حديث لا تتمارضوا فتمرضوا تتمثل في العلل التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة او ملاحظتها بسهولة من قبل الآخرين. مثل الإضرابات النفسية كالقلق والاكتئاب وغيرها. فكثير من الناس يتعاملون مع ان مثل هذه الأمراض على انها أمور يتوهما الفرد في سبيل تبرير تصرفاته او سلوكياته. ولا يفكرون في انه قد يكون مصابًا بجرح خطير في نفسه. ولكن فقط لأن هذا النزيف يعجزون هم عن رؤيته فيتعاملون على انه غير موجود وعلى من صنيع المرء. ومن الأفكار الواردة والمتداولة جدًا بين الناس في ما يتعلق بالعقل الباطن وتأثيره على حياتنا دون نعلم. رغم ان هذه من النظريات الجدلية جدا في علم النفس والتي ابتدعها سيجموند فرويد في بدايات القرن العشرين. وأنا لست بهذا العلم حتى احكم عليها حكمًا دقيقًا ولكن ما يمكنني ان أقوله بشكل عام وبقدر من المجازفة انها ليست من الثوابت اليقينية في علم النفس. وتأثيرها ليس بالقدر الذي يتم تصويره لنا في الأفلام وفي كتب التنمية البشرية. وبالإضافة الى ان نعمد كثيرًا للتعميم الزائد لتجاربنا الشخصية والمواقف التي مررنا بها. ونتعامل على ان النتائج التي وردتنا منها هي نتائج حتمية وأنه لابد من تتكرر نفس النتيجة ان تكررت نفس  الظروف. وهذه أحد الأفكار التي نسيتها الفيزياء منذ أكثر من قرن بعد ان ظهرت نظرية الكوانتم والنظرية النسبية وبعد تتطور علم الإحصاء. حتى صارت عبارة: ان العلماء غير واثقين بأي شيء. هي من العبارات المتداولة (على حد علمي) ونحن هنا نتحدث عن الظواهر الفيزيائية والتي تعد من أبسط الظواهر من ناحية التعقيدات التي تشوبها مقارنة بالعلوم الإنسانية كعلم النفس على سبيل المثال. فالعلماء غير قادرين على الجزم بما يتعلق بالعلوم الطبيعية فكيف بالعلوم الإنسانية التي تعتبر اكثر تعقيدًا بكثير نظرًا لعدم تمكننا من رؤيتها وقياسها بشكل مباشر وواضح. فلذلك من الصعب جدا الجزم تجاه خبراتنا وهذا لا يعني اننا نعيش في شك دائم ولا نتخذ أي قرار بناء على ما خبرناه. ولكن ما أقوله هو ان نجعلها دائما محلًا للمراجعة والنقد وأن لا نسلم بها بشكل يقيني.

الآن يأتي سؤال مهم وهو : ما خطر هذه الظاهرة على المجتمع ؟ والجواب يتمثل في عدة جوانب أيضًا.

الأول: هو انتشار الجهل بل والتساهل في انتشاره والتعامل باستخفاف شديد مع جهل المرء بما يحيط من حوله. والمجتمعات التي بها قدر عالي من الجهل هي اكثر المجتمعات التي يسهل التلاعب بعقولها. لأن أي كلمة سيقولها المرء يعلم ضمنيًا انه لن مراجعتها ونقدها من الطرف الآخر. مما يخلق إحساس بعدم ضرورية التثبت من صحة المعلومات والتساهل في مصادرها. وحتى ان قررنا التثبت من المعلومات فنحن نتعامل بأرحية تامة  في تحديد مدى موثوقية وعلمية المعلومة الواردة. ولذلك يسهل جدًا انتشار العديد من الأفكار المغلوطة والهدامة في مجتمعاتنا لأنها لا تجد أي صوت يقوم بردعها. فلو اخذنا  طريقة تعامل الناس مع فكرة العقل اللاواعي(الباطن) وآثارها على المجتمع. نجد ان كثير من الناس اصبحوا يعولون فشل اختياراتهم على هذه المسألة او يعولون موقفهم السياسي او الاقتصادي على أثر الرسائل التي استهدفت عقولهم الباطنة . بدلًا من محاولة ان يسعوا لتغيير انفسهم ومحاولة السير عكس التيار. فهذه الفكرة تعتبر من الأفكار المريحة جدا للضمير والتي تجنبنا معاناه تحمل تبعات القرارات التي نتخذها.

الثانية : تتمثل في عدم شعور المرء بأي تأنيب للضمير اثناء قيامه بأي نشاطات ترفيهية بحتة. لأنه مقتنع انه لا توجد حاجة فعليّة لتعلم أي علم من العلوم او بالتعمق في مجالي حتى. فأصبح الناس يقومون بنشاطاتهم الترفيهية بكل أريحية وفي نفس الوقت يرفضون ان يتم اعتبارهم جهالا وفي نفس الوقت لا يبذلون أي جهد فِعلي في سبيل إزاحة غمامة الجهل عنهم.

وفي النهاية اود ان اذكر بأن هذه المقالة هي في النهاية محاولة استقرائية أي انها غير مبنية على أساسات او أبحاث علمية دقيقة. بل مجرد ملاحظة لسلوكيات العديد من الطلبة الذين قابلتهم اثناء دراستي للجامعة. وظننت ان مثل هذه الظاهرة منتشرة في أوساط شعوبنا بشكل عام. وقد تكون(وغالبًا) هذه الافتراضات مجرد خيالات شخصية لا تمت بالواقع بصلة. ولكنه واجب على المرء ان رأى منكرًا( او ما يعتبره منكرًا) ان يحاول ان يشير اليه على الأقل في سبيل الرقي بالمجتمع, وهذا والله اعلم.

Sharing is caring!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *